الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
366
نفحات القرآن
أوضحها ما كان ينسجم مع ما جاء في الروايات وهو : إنّ روح الإنسان بعد انتهاء الحياة الدنيا تحلّ في جسمٍ لطيف يفتقد الكثير من اعراض الجسم المادّية ، ولكن لِشَبَهِ هذا الجسم بالمادة اطلق عليه اسم « الجسم المثالي » أو « القالب المثالي » وقيل : إنّه ليس مجرّداً بتمام الأبعاد وليس مادياً كذلك ، بل له نوع من « التجرد البرزخي » . ( فتأمل ) . ولكن بما أنّ إدراك حقيقة حياة عالم الآخرة غير ممكن بالنسبة لنا نحن أسارى عالم المادة ، فالاطلاع الكامل على عالم البرزخ لا يكون ممكناً أيضاً ، وذلك لأنّ عالم البرزخ هو أعلى مرتبة من هذا العالم ، وبتعبير آخر : إنّ عالم البرزخ عالمٌ محيط بهذا العالم لا محاط . ولكن - على حدّ قول بعض العلماء - : يمكننا تشبيهه بعالم الرؤيا ، فالروح الإنسانية في الأحلام الصادقة تتجوّل في نقاط مختلفة ، بواسطة القالب المثالي وتشاهد المناظر وتتلذذ بالنعم ، كما أنّها أحياناً تشاهد المشاهد المرعبة فتتضجّر بشدّة ، وتصرخ وتصحو من نومها . وتؤكّد صحّة هذه الحقيقة قوله تعالى : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتى لَمْ تَمُتْ في مَنَامِهَا » . ( الزمر / 42 ) قال المرحوم العلامة المجلسي في بحار الأنوار : « إنّ تشبيه عالم البرزخ بحالة النوم والرؤيا كثيراً ما ورد في الإخبار . ثم يضيف : كما يحتمل أن يكون للنفوس القوية العالية اجسامٌ مثاليةٌ متعددة ، لذا فإنّ ما ورد من الروايات على أنّ الأئمة يحضرون عند كلّ من يحتضر من الناس ، سوف لا يحتاج إلى التأويل والتكلّف في تفسيرها » . ( فتأمّل ) « 1 » . كما أنّ البعض يعتقد بأنّ القالب المثالي موجود في جسم كلّ إنسان ، لكنّه ينفصل عن الجسم بعد الموت ويبدأ حياته في البرزخ ، فالروح في عملية التنويم المغناطيسي تتجوّل وتذهب إلى مناطق مختلفة ، وتمارس كثيراً من الفعاليات ، والأكثر من ذلك أنّ بعض الأرواح القوية تتمكن من السفر إلى مناطق بعيدة في عالم اليقظة أيضاً فتطّلع على أسرار
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 6 ، ص 271 .